الثلاثاء، 17 مارس 2015

3

بها.
ومن أراد أن يعرف قدر السلف وعلم السلف وفضل علمهم على الخلف فليقرأ في رسالة الحافظ ابن رجب -رحمة الله عليه- التي أسماها: (فضل علم السلف على الخلف).
وإذا ارتفعت نفس الإنسان وعلت به عن قدره فليقرأ في (مقدمة موضح أوهام الجمع والتفريق) للخطيب؛ ليرى قدره ويعرف أقدار السلف.
أقول هذا؛ لئلا يقول قائل: هذه العلوم حادثة، وقد قيل، والتصنيف في هذه الأمور أمر طارئ حادث بعد عصر السلف.
أقول السلف ليسو بحاجة إلى مثل هذه القواعد وهذه الضوابط التي تعينهم على فهم الكتاب والسنة، فليسو بحاجة إلى مؤلفات في العربية؛ لأنهم عرب خلص أقحاح لا يحتاجون إلى شيءٍ من ذلك، لكن لما اتسعت رقعة البلاد ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وخالط العربَ غيرُهم من الأمم احتاجوا أن يؤلفوا في العربية، وفي علوم الآلة كلها، وإن شئت فقل: علوم الوسائل التي منها ما نحن بصدد شرحه وهو أصول الفقه.
وعلى هذا إذا عرفنا أن هذه العلوم التي يسميها أهل العلم علوم الآلة التي هي مجرد وسائل لفهم المقاصد من نصوص الوحيين فلا ينبغي لطالب العلم أن يصرف كلَّ وقته لهذه العلوم، بل عليه -لا أقول ينبغي- بل عليه أن يأخذ منها بقدر ما يحتاج إليه في فهم الكتاب والسنة، وليس معنى هذا التقليل من شأن هذه العلوم، القدر الذي يتوقف عليه فهم الكتاب والسنة أمر لا بد منه سواء كان في علوم العربية، أو في أصول الفقه أو في علوم الحديث، أو في قواعد التفسير وعلومه، وغير هذه العلوم مما يحتاجه من يعاني نصوص الوحيين.
ومع هذا التوجيه وعدم إضاعة جميع الوقت في تحصيل هذه الوسائل..؛ لأن من الناس من يستهويه علم النحو مثلاً أو علم أصول الفقه فتجده في جميع مراحل عمره، في شبابه، في كهولته، في شيخوخته، إلى أن يموت وهو يقرأ ويقرئ ويدرس ويؤلف في النحو فقط.
إذا عرفنا أن هذا وسيلة لفهم الكتاب والسنة فكيف نقدم

2

ورفع أهله الدرجات في الدنيا والآخرة، والمراد بالعلم الممدوح في النصوص الشرعية هو العلم الشرعي المورث لخشية الله -عز وجل-: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [ سورة فاطر، الآية : 28 ].
هذا هو العلم الممدوح المذكور في نصوص الوحيين، الذي يورث الخشية لله -عز وجل- والذي يبعث على العمل الصالح، فالعلم الذي لا يبعث على العمل في الحقيقة ليس بعلم، فالعلم هو ما أورث العمل الصالح الموصل إلى رضوان الله -عز وجل- هذا هو العلم الممدوح في النصوص، ومن الأمثلة على ذلك: ما جاء في سورة الزمر من قوله -جل وعلا-: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ، بعد ذلكم قال: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [ سورة الزمر، الآية : 9 ]، فدل على أن أهل العلم هم الذين يتقون الله -سبحانه وتعالى- ويخشونه ويعملون بعلمهم، أما الذي لا يعمل بما علم هذا في الحقيقة ليس من أهل العلم، وإن حصل على شيءٍ من العلوم والمعارف، لكنه ليس بعالم، ولذا جاء في الحديث -وفيه كلام طويل لأهل العلم-: « يحمل هذا العلم من كل خلفٍ 

1

فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن علم أصول الفقه مما عني به المتقدمون والمتأخرون وهو المنهج الشرعي للتعرف على حكم الله فيما يجد ويحدث من قضايا ونوازل، ونحن ولله الحمد نعيش صحوة ما كنا نعهدها في سنوات خلت، إقبال على طلب العلم الشرعي، ثني للركب في حلقات المشايخ، حفظ لكتاب الله، استيعاب لسنة رسول الله e فهم لأصول الاستنباط ، إحاطة بما يقيم اللسان ، استغلال أمثل للأوقات، والأمثلة من هؤلاء النجباء كثيرة والشواهد حية ]ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32 ) [([1]).
إن غاية إرسال الرسل وإنزال الكتب هي عبادة الله وحده لا شريك له وفق المنهج الذي شرعه سبحانه، ومن هنا كانت معرفة حكم الله في المسألة هي ثمرة العلوم الشرعية على مختلف فنونها، غير أن معرفة حكم الله في المسألة لم تكن ضربة هوى ولا رمية حظ، وما كان سبيلها الانتقاء والتخرص، بل كان وفق معايير وأسس صاغها علماء الإسلام، واستمدوها من كتاب الله وسنة رسول الله e لغة العرب التي نزل بها القرآن وبها جاءت السنة.
وكان واضع أسس هذا العلم، وناهر مائه الإمام اللغوي المحدث الفقيه محمد بن إدريس الشافعي (ت 204هـ) رحمه الله، ثم تتابع العلماء بعده كل يدلي بدلوه في هذا الفن، فبوبوا الأبواب ورتبوا الفصول وهذبوا المسائل وضبطوا التعاريف ومن هؤلاء الأعلام الإمام الجليل أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني (ت 478هـ) رحمه الله([2]) فألف في أصول الفقه "متن الورقات" وهو رسالة مختصرة تعتبر بداية لمن يطلب العلم، وقد اهتم به العلماء كثيراً، فله شروح وحواشٍ ومنظومات، وكلما كثرت الشروح الحواشي على كتاب علمنا مقداره وأهمته.
والمتأمل في مؤلفات الأصول يلاحظ أمرين جديرين بالاهتمام:


الأمر الأول:
أن علم الأصول اختلط بمنهج المتكلمين وآرائهم، بل لحقه شيء من منطق اليونان، وهذا واضح في كتاب البرهان لأبي المعالي الجويني، والمتستصفى لأبي حامد الغزالي (ت 505هـ) وبعض من جاء من بعدهم . والغزالي بعد أن أدرك بنفسه وقوعه في هذا المنهج – خلط علم


([1]) سورة التوبة، آية: 32.
 ([2]) رجع الإمام الجويني عن مذهب أهل الكلام إلى مذهب السلف كما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية. مجموع الفتاوى (4/61، 73) وانظر سير أعلام النبلاء للذهبي 18/471.